الأحد، 28 سبتمبر 2008

المقامة الأهطلية

المقامة الأهطلية

حدثنا شرحبيل ابن هجان، عن رجل من بلاد الخان، المعترف بسذاجته، و عسر حماقته، المكنى بابن معبوس الأهطلي. حدثنا شرحبيل بلسان ابن معبوس فقال:

أرهقني طول الرحيل فجلست ألتمس الظليل بين النخيل، فشربت من الواحة و ذهبت إلى الساحة. أعجبني قلة الزحام و وفرة الطعام و كثرة العمام، فذهبت لأقتف تفاحة فهوت علي مسَاحة، و سمعت صوتا يقول: ما دهاك يا مسطول؟! جمعت قواي لأقف، فإذا بقدمي ترتجف، ثم أغشي علي...

فتحت عيني بعد طول غياب، و حسست بنقر كنقر الباب، فإذا به عُقاب ينقر رأسي.. شعرت بلهيب النار و حرور البخار، فقفزت منطفضا أنظر حولي، أين أنا يا ويلي؟! تركوني بلا أزاد، و أخذوا مني الجواد، فصحت وا مصيبتاه، أين أنتي يا أماه، لو لم أهم بالتفاحة، لكمنت الأن في راحة. فتمنيت أن يعود الزمان، و لا أقرب ذاك المكان، فمشيت خلال الكثبان، أتجنب العقرب و الثعبان. لمحت قافلة من بعيد، فصحت يا حظي السعيد. أركبوني حمارا، و أطعموني خيارا، ثم أنزلوني بمدينة، و قالوا أنت ثقيل علينا. فنزلت أقلب كفَاي، و لا حول بيداي. ذهبت إلى السوق لأعمل حمالاً، لأجني مالأ، فحملت الثقيل، و قبضت القليل، ثم اعتزلت المهنة، في عز المحنة لأبحث عن عمل، حتى أعياني الملل، فإذا بطلب أرى، فذهبت على أمل.

كنت المتقدم الوحيد، و كان الفوز أكيد. صرت النادل الأحيد، أخدم على مئة أو يزيد. فاشتدت الأمور، و زال السرور، فذهبت لأطلب علاوة، فقيل: على إيه يا حلاوة؟ فسارعت بلكمة، و أثنيت بلطمة. أخذني رجال الشرطة و استجوبوني، و ضربوني و ضربوني، حتى حطموني، ثم زج بي في الزنزانة إلى أن هربت...

فررت من المدينة و ركبت السفينة بعيدا عن البلاد العفينة. صارعت العواصف و الريح العاصف و الموج القاصف حتى رشدت الطريق، فإذا بجلمود في وسط المضيق، يسد الطريق، و صرت في ضيق، فأخذت الشهيق و قفزت في الماء، و الجهد باء، و القرش جاء، فهاذا الداء و الدواء صراع البقاء...

سبحت ليلاً إلى الجزيرة، فقابلني أهلها بأسلحةٍ خطيرة، و ربطوني في الحظيرة... فصرت عندهم مسجون، أمسح الصحون، و أشبع البطون، و أسلي سيدهم المجنون... قررت الهروب وقت الغروب و ترك البيت مخروب، انتقاما لنفسي. فركبت القارب، كأني محارب، و الليل واقب، و النجم ثاقب. استدللت بالنجوم، فهي لا تضل المأموم، و اختفيت عن العيون، حتى رشدت الطريق.

نفذ مني الزاد حين وصلت البلاد، فسألت أحد الأولاد عن الخيم و الأوتاد، فصاح بي: أنت في بغداد! فسكت من الفزع، فلا ذهاب و لا رجع، و لا طريق يتبع فأصابني الصرع، و انتابني الخرع، و سقطت مغشياً علي...

داعب دفيء الشمس خدي، و رأيت الدنيا باللون المصدي، فإذا برجل يقف فوق ذقني، و الأنف مقني، يريد حقني! فصرخت في وجهه، و دفعته من صدره، و لكمته في خصره،وقفت و بدأت بالاستحقاق، فإذا أنا في زقاق، و الواسع ضاق، فاعتصرني رجل عملاق، كأني كالرقاق، و كان الألم لا يطاق، و الأنفس في شقاق، حتى قاربت على الفراق، ثم سرق قميصي و هرب...

بعيد بضعة أيام ذهبت إلى السوق، و نفخت في البوق، أبيع الخبز المحروق، و أقبض المال المخروق، حتى ازدهرت التجارة، و فتحت محلاً للنجارة، و لم أعد آكل الخيارة.

بعد مرور بضع سنين، من البيع الأمين، جاءتني طلبية أميرية، و الربح "مية مية". طلب مني طن من الأخشاب، لبناء قصربدون باب، و دون معرفة الأسباب جاء الجنود ينوون الخراب، و عندما سألتهم عن الأتعاب، قالوا فلتأخذهم من الأحباب... توقف قلبي عن الخفقان، فقد سرقني هذا الإنسان، فعضضت على أصابعي بالأسنان، و كان علي إغلاق الدكان، فتعويض الخسائر ليس بالإمكان، و إن حاولت بقية الزمان، فمن أي نوع هذا الامتحان؟

تحسبت على الأمير في الفجرية، و أجرت نسوة يدعين عليه في المغربية، و التأمين كان عليَ. فلا تعويض ولا دية، و هو الذي قال لي: لك عندي هدية غير طبيعية..

حملت على حزم أمتعتي و ركبت السفينة مع المسافرين، و لأنني مسكين، دفع لي الأجرة رجل أمين. تعرفت على ذالك الرجل و كان تاجر مسافر، يتعامل في الأساور و أنا رحّالة مغامر، عرضت عليه ن نتشارك ،فقبل و قال مبارك، و قال إني للمال تارك في ذمتك حتى نفارق. فكرت بالفرار حين ترسو السفينة، و الأموال معي أمينة، فالرجل أحمق ذو بطن سمينة. رست السفينة فأخذت سرر الأموال، و قفزت في الحال، و لم يخطر على البال أن معهم نبال! فأطلقوا بعد القيام، فصرت أقفز للخلف و الأمام، و لم تصبني السهام.

اختبأت لأفتح السرر وراء الشجر، فجاءت الصاعقة! كانت السرر تحتوي على الأحجار، فتبخر عقلي كالبخار، و سقطت على ركبتيً منهار، فقد خدعني المكَار. جعاني أترك متاعي، و لوى ذراعي، و بالأحجار في السرر كان وداعي...

طفقت أُوَلول على حظي، و كان الشارع بالناس مكتظِ، فسلطوا علي السفهاء، و انهالوا علي بالهجاء، فأخذت بالفرار، فرجموني بالأحجار، فرأيت في الأفق حمار، فعدوت نحوه دون انتظار و ركبته هروباً من الأشرار..

نفقت مني الركوبة على حدود مصر، فصليت العصر، و دخلت البلاد...

علم الوالي بوصولي، و دعاني عنده للحلولِ. أجلسني مع الوزراء، و جلسنا نتبادل الآراء، حول عدد النجوم في السماء، و في وقت العشاء تضاحك الجلساء، و غنت الإماء، و تطارح الشعراء. و في اليوم التالي من النوم الخيالي، استدعاني الوالي في الحالِ. سألوني عن سبب ترحالي، فرددت على سؤالهم بسؤالِ، فعلمت أنهم أخطأوا في استفبالي، وأنهم حسبوني سفير الملك جمال. فغضب الوالي و أماء بيده، ليظهرر مدى قوته، فانهال علي الحراس ضربا، فما استعط للسلامة طلبا.

ربطني الحمار بالحبال، و أركبوني حماراً جوال، يقوده رجل طبّال. فمشوا بي خلال القاهرة، و العيون علي ناظرة، و في أرض بالطين وافرة، رموني و أهانوني.

هربت من البلاد في الحال، فكان علي الترحال... فالظاهر أنه لن يرتاح البال...

... ثم سكت شرحبيل عن الكلام، و دخل غرفته لينام.
________

علي ركابي

ليست هناك تعليقات: