الجمعة، 5 ديسمبر 2008

من صيد خاطري


بسم الله الرحمن الرحيم


تعز في بعض الأحيان الكلمات عند الطلب، فلربما عجزت الألف و اللام عن التعريف، لا لعجز يكمن فيهما، و إنما لتفوق الموصوف على الواصف، أو الفكرة على المفكر، مع أنها وليدة فؤاده وجدانه، و مع ذالك تقف كل حروف الأبجدية خاشعة لا تقوى على تنظيم صفها و ترتيب بيارق عسكرها لتشكل أسطرا أو جملا أو حتى بضع كلمات يتامى لتدفع عن مجدها عار النقصان و المحدودية، مع العلم أن جيش الكلمات جيش عرمرم جيوس، لا يدخل ميدان إلا و أثخن فيه العقول و الألسنة و الرجال الغلاظ.


قد يرى الرائي منا خواطره رأي العين بين براثن أفكاره و عقله، يرى صورا تصف بكل دقة ما يريد قوله، بل لعل تلك الصور تصف بلغة ما، ما لا تستطيع كل لغات العالم من عربية و أعجمية على حد سواء وصفه، و أعتقد أن هذا ما عنوه عندما قالوا أن الصورة بألف كلمة... و لربما تصحب تلك الصور إيمائات صوتية تضفي على تلك الصور الخرساء بعض الحياة لتعزي صاحبها في يتمه. و لكن أكثر ما يثيرني في هذه العلاقة العمياء السميعة... أو الصماء البصيرة... هو الانسجام التام الذي لربما عجزت أناملي عن خلط الحروف اللائقة لبيان سلاسته و رخاء كنهه، فإننا إن نظرنا وجدنا صورا غير موجودة تستعين بأصوات غير موجودة لتكون عالما محاذيا لأبعاد عالمنا الخارجي، عالما لا قيد فيه و لا ناموس، عالم من عدم، يُرى و يُسمع من قبل إنسيِ واحد، عالم تكاد أوصافه تطابق أوصاف الذكريات، فما الذكريات إلا حلقة الوصل المفقودة بين الصور و الأصوات الميتة


و من الغريب أيضا أنني أستطيع ضم من أشاء إلا هذا العالم، فأخلط و الموجود بالمعدوم، أصيره كيفما أشاء، أفعل به ما أشاء، فهو لا يملك إلا السمع و الطاعة، فجل وجدانه و كيانه هو طاعة أمري، و إن أبى قتلته بلا ثأر أو دية... و لكن كيف له أن يأبى و أنا الآمر الناهي؟ كيف يأبى و هو لا يملك أن يأبى؟ هل يعقل أن أكون أنا من أبيت طاعته لي؟ و لكن لماذا آبى أن أطاع؟ و هنا فُتح باب جديد في فكري، باب لم أكن أدري بوجود تلك الغرفة التي كان يخفيها ورائه، و المضحك أن من أراد منع الوصول إلى شيئ ما لم يخفيه بباب، بل يردم عليه، لأن الأبواب ما خلقت إلا لتفتح.


ثم استدرجتني تلك الفكرة و أغرتني بإبراز مفاتنها التي لا تنفك عن مداعبة خاطري، إذا فإن كنت أنا أقدر على هذا فلا بد من أن سائر الناس كذالك يقدرون، فماذا إذا اجتمعنا و عزمنا على رسم عالم واحد من المعدوم المُنَكَهِ بالموجود؟ عالم كلنا فيه ملوك سواسية... كل يملك ما يملكه الآخر... ثم أدركت أننا بنوا آدم لسنا نبحث عن الرضى، بل عن القوة و السلطة، و إن تساوينا كلنا في الملك في عالمنا الافتراضي لحاول أحدنا تعيين نفسه وصياً على سائر الجمهور، و لحاول التحكم في ممتلكات غيره بحجة توحيد الموارد أو ما شابه، و لعل ذالك الشخص أن يكون أنا... أو أنت... و من ثم لتصارعنا و لعلا بعضنا على بعض... و من ثم أدركت أن لو لهذه الدنيا إله مع الله لفسدت، و لتحاربت الآلهة... فالحمد لله الواحد القيوم.


و من هنا أدركت أن العالم الحقيقي خير ألف مرة من أي عالم افتراضي يكون ابن ادم فيه هو المسيطر، و لذالك حُدَّت قدرة الخاطر على خلق أفكار لا يتجاوز نطاقها رأس صاحبها، و إن أراد ترجمة تلك الأفكار إلى واقع محسوس فعليه الانقياد بنواميس الكون من معقول و غير معقول، و محتمل و محال، و لعل هذا هو العدل المطلق، من حيث أن جميع أبناء آدم مقيدون بنفس القوانين الناموسية الكونية، فلا يستطيعون النفاذ منها، و لكن يستطيعون التأقلم معها و تسخيرها لمنفعتهم، فمن لم يفعل فهو ليس لظلم راسخ و إنما لتعاجز و تثاقل، و لعل عدل هذا الكون يتمثل في أن لكل من أبناء آدم 24 ساعة في اليوم، فهاك الوقت و هاك جوارحك.


ذالك و من اشتغل بصيد خواطره رأى من نفسه ما لم يدر أنها تملك، و علم أن لكل من حوله نصيب من الخواطر، فيتعلم ممن فقه كنهها، و يحترم من عجز عن تجسيدها، فلعل خليط الصور و الأصوات في عقل من دونك أسمى من خليطك، و بنات أفكاره أجمل من بناتك، و لكنهن لم يتقنَّ الكلام بعد، فوالله لو مُكنَا من النظر إلا أرواح بعضنا البعض، و طاقاتنا الكامنة لرأينا صوراً تكاد لحسنها تتكلم.


_______________


علي ركابي

هناك تعليق واحد:

Abdelruhman nabil يقول...

مدونة جميلة يا علي.
-عبدالرحمن